فوضوياتٌ جادةٌ عن التدوين

  • مفتتحٌ تعريفي:
  • الغاضبونَ همُ المدونون. الثائرونَ، الصادقونَ، ومنهم ما دونَ ذلك. وأدنى من ذلكَ أيضا.
    أقليةٌ تتكاثرُ بمنطقٍ يفرضُ نفسَهُ، وتفرِضُه الْحَاجةُ. صوتٌ بدأ يُسمعُ نفَسَه والعالم. ثِقلٌ يتكوَّنُ. نواةٌ تدورُ استعداداً للانشطارِ السلمي، من أجلِ تدميرِ الزيف، الانتصار على الخواء، والدوائر المُحكمة التي تصنعها وتدورُ فيها المؤسساتُ الإعلاميةُ الرسميةُ للأنظمة، محاولةُ إيصالِ الكلمةِ التي تَحملُ هَمَّاً، ورسالة.
    ***
    إعادةُ صياغةٍ للمفتتحِ التعريفي:
    التدوين محاولةُ وصلِ ضفافٍ مُخضبةٍ بالرؤيةِ، خصبةٍ بالأملِ، صالحةٍ للعملِ. يحرثها شبابٌ حديثوا الهمةِ، نذروا الوقتَ والجهدَ لمدِّ القنواتِ على امتدادِ الضفاف.
    ***
    نحنُ معشرُ المدونينَ الناطقينَ أخيراً. المحبونَ للكلمةِ، لإعادةِ الصياغةِ دوماً بما يتناسبُ معَ حرائقنا المُشتعلة. مشتاقونَ بقدرِ غيابنا، متعلقونَ بِنا.
    لماذا التدوين؟
    نحن ندوِّنُ لنقول: لا نريدُ أكثرَ من أن نُفتِّتَ صَخرةَ الوقتِ ..لا نريدُ أكثرَ من تمجيدِ الحرية .. لا نريدُ سوى الوطن ، وطننا المستقبلُ . وليسَ الانتماءُ حالياً هو أحدُ أسبابي في كتابةِ ذلك، فأنا راغبٌ بانتهازِ الفرصةِ لتشكيلِ الوطنِ الذي سأنتمي إليه، والكيانِ الذي سأحبه. فهذا الجيلُ من المدونينَ، بإمكانهِ أن يكونَ الجيلُ الذي يمحقُ الاستبدادَ ولو على حسابِ الوطن ، وسأحرصُ على أن يكونَ ذلكَ مُنتشراً. فلا يُمكننا في عصرِ الحضاراتِ التي ترسمُ بالصاروخِ وجهَ العالمِ الحر ؛ أن نكونَ أذلاءَ ومعبودينَ لحفنةٍ من أصحاب الأدمغةِ العتيقةِ، والحيلِ الغبيةِ، والبدل المستوردة.
    طبعاً لاعزاءَ للخونة.
    ***

  • ماذا سنفعل؟
  • ونتعهدُ – نحنُ المدونين – بأننا سنحاولُ أن نَحميَ صُدورَنا مِن الضغائنِ قدرَ الاستطاعةِ فيما لا يكونُ إلا بالحكمةِ ، وفيما غيرُ ذلكَ فنحنُ سادةُ المحوِ وسادةُ الغضب .
    سنحاولُ دوماً أن نؤمِّنَ للشعرِ قوتاً وذوقاً حتى لا ينحلَّ الكون . سنكون عندَ حسنِ ظنِّ بلابلِ الدوحِ وأفاعي الغابة . سنؤمنُ للوطنِ وأهدافَنَا رَصِيداً كَافِياً من الدِّماءِ (1)، والشتائمِ(2) ، والسخريةِ(3) ، والحقدِ(4) ، والمواقع ، والمدوناتِ، والمقالاتِ ، والقصائدِ ، والكُتبَ ، ولغاتِ البرمجةِ، ودروبال، نطمرُ بها كلَّ من يرغبُ في التظاهرِ بالشرفِ والوطنيةِ على حسابِ وطنٍ لم يمشِ على أرصفته ، ولم يحترق بشمسه ، ولا هوَ يبالي بفقرائه أو ناسِهِ ، ولم يفكر يوماً أن يغرقَ في نيلِهِ ، ولم يذق فيه يوماً طعمَ الجوعِ أو المعاناة، أو حتى زحمةَ المواصلات والموت ضجراً حينَ يوقفُ المرورُ نهرَ السياراتِ الجاري كي يمرَّ أحدُ أعضاء الكيان الاستبدادي(5).
    ونخبركم أننا من أجلِ كل أهدافنا ،
    سنفعلُ كلَّ ما هوَ مباحٌ بخجلٍ متناهي ، وكلَّ ما هو ممنوع بكثيرٍ من الجرأة..!
    ***

  • تواضع:
  • نحنُ ندوِّنُ لنقولَ دائماً الكلمةَ ما قَبلَ الأخيرة، أما الكلمة الأخيرة فنتركها لله، حيثُ لن نكونَ مسؤولينَ عن القدرِ ولا عن القيامةِ أو حتى علاماتها . لن نحاول أن نعيشَ حتى ذلكَ الحين ، لأننا لسنا أشراراً بما يكفي كي تقومَ علينا القيامة ، فنحنُ لا زالت لدينا مقدساتنا ، وإيماننا ، وأحلامنا .
    ***

  • كينونة أخرى:
  • نحنُ اختلاقُ السببِ ، وحكمةُ التواجدِ ، وتهيئةُ الطقسِ لمناسبةِ الحياةِ بدعوةٍ من الطفولةِ أو اقتراحٍ من الشعر ، نحنُ نزوةٌ حياتية ، اقتراحٌ معنوي ، مباشرةٌ عملية ، نحنُ رغبةٌ صادقةٌ في أن يسودَ الإنسانُ لا الذئابُ ولا القرود .
    نحنُ العابرونَ على جسرٍ سيسقط ، ومعَ ذلكَ نشوةُ التحدي تدفعنا للعبور . لا تهم حياتنا بقدرِ ما يهمنا تحقيق التحدي .
    إننا يا كلَّ الكائنات نبشرُ بميلادٍ جديدٍ للشعرِ ، وللقصيدةِ التي تضاجعُ النساءَ دونَ علمهن ، تخصي الرؤساءَ من غيرِ مباضع ، إنها القصيدة التفاحةُ ، أو القصيدة القمرُ ، أو القصيدةُ الحكمة .

    أجيالٌ من أساطيرِ البقاء تحرضنا للبقاءِ على قيدِ أسطورة . وتفاهةُ الواقعِ تدفعنا للسخريةِ من الواقعِ حتى يذهبَ عنا بعيداً بمؤخرتهِ الثقيلة – بإمكاننا تقبل مؤخرة روبي أو نانسي أو أي بنوتة حلوة – ونعيشُ فيما يشبه المدينةَ الخيال . هذه المدينةُ لا تتكونُ من مبانٍ فقط ، ولا من إسفلتٍ وزفتٍ للطرقات ، ولا من أدخنةٍ وغازاتٍ سامةٍ كدليلٍ على التحضر ، بل تتكونُ من عوالمَ جماليةٍ أسطورية . تتكونُ من تضحياتٍ لصالحِ طبيعةِ البقاءِ الحرِّ المشرفِ على أكل الخبز البائس . الإنسانُ معَ ذلكَ يمكنه أحياناً أن يعيشَ في أسطورةٍ ويكون سعيداً جداً ، وواقعياً جداً ، لكنه لا يكون أبداً ضجراناً وهذا هوَ الهدف . إننا لا نهتمُّ بالبدلةِ أو بمناصبِ رؤساءِ التحريرِ الفاشلين غالباً . كل شخصٍ يعيشُ الأسطورةَ ويؤمنُُ بها هوَ رئيسُ تحريرٍ ومخرجٍ ومطربٍ وشاعرٍ وعامل . إنه يُخرجُ حياته بالطريقةِ الأنسب كي يكونَ فادحاً ويدهش الجمهور ، إذن فهوَ مخرج عبقري . ويغني لحنَ الخلودِ معَ كل شلة الآلهة اليونانية وغير اليونانية ، لذا فهوَ مطربٌ كوني . ويكتبُ حياته قصيدةً على وزنٍ مجنونٍ ليسَ له شأنٌ بالخليلِ ، وبلغةٍ لا يمكنُ أن يفهمها الملكُ الضليل(6) ، إنه يتجددُ تلقائياً بمجردِ محاولتهِ أن يعيشَ حياته كقصيدةٍ متجددةِ المعنى عن العملِ وحكمته ، متجانسةِ الألفاظِ والكلمات حسبَ اقتضاءِ الظروف ، يكتبها بأحداثٍ عظيمة ، وأعمالٍ تنضحُ عرقاً ، برموزٍ ممتعة ، بشهوةِ التجلي الذاتي الحقيقي ، تجلي ذاتُ الإنسانِ لنفسه ، وليذهب الحلاجُ وخرافاته إلى الجحيم ، فالله العظيمُ لم يتجلَّ لموسى كي يتجلى لهذا المتوهم .
    ***

  • واقع:
  • نحنُ المتعلمونَ المغتمون ، ما الذي يجنيه الإنسانُ من تعلمه في الجامعاتِ المريضة ؟
    يخرجُ ليقفَ على رصيفِ الروتينِ الممل الملعون ، تتندرُ السخرية بشهادته التي ضيعَ أربعَ سنواتٍ أو أكثرَ كي ينالَ شهادةَ الحبرِ له بأنه أصبحَ خريجاً جامعياً ، أي أنه أصبحَ أكثر بؤساً ، ما الذي يفعله الإنسانُ بحبرٍ يلطخُ بؤسَهُ بالمزيدِ من السواد ؟
    قليلٌ عليهِ اللعنة ..
    وما دمنا لم نلعنِ الحبرَ ، ولم نهدمِ الجامعةَ في داخلنا ، لم نقتلِ العادات ، ما زلنا نؤمنُ بالتقاليدِ الغبيةِ التي تقولُ أن على الإنسانِ أن يكون جامعياً ليكونَ متعلماً ، وما دمنا لكي نتزوج الإناث يجب علينا امتلاكُ مائة ألفِ ملطوش كي نحصل على شقةٍ وبعضِ متاعِ الدنيا ، ما دمنا وصلنا لهذا البرود ، وهذا التخلف المضني ..
    ألا فعلينا اللعنة ، وعلى هذا العالم الوغدِ السلام .
    ***

  • ردةُ فعل:
  • وإذ نحنُ نلعننا ، فإننا أيضاً سنلعنُ كل ما يقفُ، ومن يقفُ في طريقنا كعثرة ، سنكتب . ندون .لوجوهٍ تغيبُ عنها الكرامةُ ظلماً ؛ نكتبُ ونسهر وندون . لبلادٍ يُغتصبُ فيها الضوءُ وتُفرضُ الظلمة . لبلادٍ تغتسلُ بالحلمِ وتتشظى شوقاً لرمقٍ من حقيقته . لمصرَ التي لا تتشابه فيها الساعات . لآمالٍ تُجددها طيورُ النيل . لمسيرةٍ تبدأُ في داخلِ كل واحدٍ منا . للثورةِ التي تسكننا جميعاً ، ثورةُ التمردِ لا ثورةُ الدم ، ثورةُ الحياةِ لا ثورةُ الجهل . ثورةُ الكلماتِ على خضوعِ اللغة .
    جئنا، ومدوناتنا، كمحاولةٍ تفرضُ نفسها، أو يفرضها الواقعُ، بحتميةِ الانفجار نجئ، بإصرارِ الليلِ على ابتلاعِ النهارِ ، أو إصرارِ النهارِ على تفتيتِ الليل ، نكون . نحنُ بنا ، وبلادنا بنا ، مصرُ التي لنا غيرَ التي لهم . لهم من مصرَ اسمٌ ، ولنا من مصرَ المعاني كلها .

    نحنُ صوتُ مصرَ في الأبعاد . نحنُ المدونونَ والكتاب . نحنُ ومدوناتنا، الهواجسُ التي تراودُ المتعطشينَ إلى الحريةِ لكنهم لا يعرفون طريقةَ نيلها .

    تريدُ أن تنفجرَ على طريقتكَ الخاصة دونَ عنف ، تريدُ أن تقولَ رأيكَ دون خوف ؟ تريدُ أن تكونَ شاعراً أو مجنوناً أو متمرداً أو ناقداً ؟ تريدُ أن تكونَ مدوناً ؟ تعالَ إلى هنا وأنشئ مدونةً خاصةً بك ، اكتب و استمع وقعَ الكلمات ، استمع للحلمِ وهوَ يجهشُ بأملِ التحقق . استمع لصوتكَ وهوَ يتطاولُ خارجَ حدودِ صمتكَ المزمن .
    نحنُ هنا نرعى الحلمَ ، نذكي جذوة اللهيب . نقولُ بأنفاسنا ما لا يقوله الخائنونَ بخطبهم . كلماتنا أنفسُ السباعِ ، وكلماتهم تتوارى خجلاً وضعفاً .

    عن طريقِ التدوين، سنرسمُ معاً حدودَ حلمنا الجديد ، وسنقرر ما الذي سيصير ، لذا تعالوا هنا جميعاً، رجالاً ونساءً ، ها هوَ البابُ قد انفتحَ، والفرصةُ سانحةٌ، فتعالوا وقولوا كلمتكم .

    ـ

    ـــ
    1. وللحريةِ الحمراءِ بابٌ .. .بكلِّ يدٍ مُضرَّجةٍ يُدقُّ ” أحمد شوقي عليه الرحمة”.
    2. يقول طه حسين: إنَّ طولَ اللسان لَم يُثبت قطُّ حقاً، ولم يمحُ باطلاً.
    3. بالتعاون مع شعبان عبد الرحيم.
    4. بدونِ الحقدِ لن يسعنا سوى الاستمرار في كوننا عبيداً. يجبُ استثمارُ الفظاعاتِ النظامية لتغذيةِ الحقدِ على الأنظمة القائمة، دونُ محاولةٍ لتلمسِ الأعذار أو الوصول إلى تسويات. فصراعنا للأسفِ معَ قوةٍ عاتيةٍ وراسخةٍ في الاستبدادِ ووقاحةِ الوجود.
    5. في مصرَ، وبعض الدول العربية الأخرى، يُعاملُ أعضاء الحكومة، من رئيسها إلى أتفهِ وزيرٍ بها، كأنهم آلهة. فتقوم قوات الأمن بإيقاف حركة المرور من أجل مرور موكب سيادة فخامة المستبد ومن يتبعه.وفي كل مرةٍ يتسبب هذا الإجراء في شلِّ حركةِ المرور، وقد يموت المواطنونَ والسائقونَ ضجراً من الانتظار، وليسَ بوسعهم في النهايةِ سوى التمتمة بلعناتٍ مكبوتة ويائسة.
    6. الملكُ الضليل: أحدُ ألقاب الشاعر الجاهلي امرؤ القيس بن حجر بن عمرو الكندي. ويُلقب أيضاً بذي القروح.

    5 تعليقات إلى “فوضوياتٌ جادةٌ عن التدوين”

    1. عازف منفرد يقول:

      كنت ولا زلت أقول بأن الأقلام مقامات ، هنا القلم الأعلى :) !

    2. nedo يقول:

      لماذا أدون حياتي في يوميات ؟ ألإنها حياة هانئة ؟ كلا! إن صاحب الحياة الهنية لايدونها إنما يحياها ..
      .
      توفيق الحكيم

    3. TheRevolutionist يقول:

      التدوين حركة ثورية بالفعل، أراك أجمل من عبر عن فكرة التدوين كثورة فكرية وسياسية وأدبية أيضاً
      جميل أن يفكر أحد بالتدوين من خلال كلامك الإبداعي، حتماً سيبدع أيضاً، لكني أراك تنحاز للمحلية، وفي رأيي أن التدوين عربياً بحاجة لمثل حماستك وكلامك دون أن يختص ببلد معينة، مع أن المدونين المصريين لهم دور كبير في انتشار التدوين وبدايته عربياً.

      لغتك أبهرتني صراحة تحياتي لقلمك الفياض

    4. حارس الهاوية يقول:

      البريد الذي يزودني بأحدث التعليقات أصرَّ هذه المرة مع تعليقكَ أن أعود للمدونة، وأتفقد شؤونها، لأجدني مُقصراً في حقها كثيراً.
      صديقي الثائر، شكراً لتعليقك الذي أعادني.
      يجري تحويلُ هذه الفوضويات الجادة إلى فوضويات غير جادة :)
      قريباً ستتغير هذه الصفحة، وسأضيف إليها المزيد من الأفكار المتعلقة بالتدوين والكتابة بشكلٍ عام، كما سأحذف الجمل والعبارات التي تُشيرُ إلى المحلية كما وصفت.
      أتمنى فقط أن أجد الوقت الكافي لمتابعة التدوين، والاستمرار بكفاءة في مشاريعي الأخرى التي أعمل عليها.
      شكراً لمرورك المُثمر.

    5. حارس الهاوية يقول:

      عازف منفرد: لعلك تركت تعليقك منذ شهر يناير، وأنا لم أشكرك، حسناً أنتَ تعلم يارفيق أن بروتوكلات الانترنت تُعفيني من الحرج منك، ولذلك، سأعتبر أنك لم تغضب، وها أنا أشكرك بعد 10 أشهر من مرورك.

      شكراً لك عازف منفرد.

    اترك رد